الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

314

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجواب القسم يؤخذ من قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ لأنه دليل الجواب إذ التقدير : لنجمعن عظام الإنسان أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه . وفي « الكشاف » « قالوا إنه ( أي لا أقسم ) في الإمام بغير ألف » وتبرأ منه بلفظ ( قالوا ) لأنه مخالف للموجود في المصاحف . وقد نسب إلى البزي عن ابن كثير أنه قرأ لأقسم الأول دون ألف وهي رواية عنه ذكرها الشيخ علي النوري في « غيث النفع » ولم يذكرها الشاطبي . واقتصر ابن عطية على نسبتها إلى ابن كثير دون تقييد ، فتكون اللام لام قسم . والمشهور عن ابن كثير خلاف ذلك ، وعطف قوله : وَلا أُقْسِمُ تأكيدا للجملة المعطوف عليها ، وتعريف النفس تعريف الجنس ، أي الأنفس اللوامة . والمراد نفوس المؤمنين . ووصف اللَّوَّامَةِ مبالغة لأنها تكثر لوم صاحبها على التقصير في التقوى والطاعة . وهذا اللوم هو المعبر عنه في الاصطلاح بالمحاسبة ، ولومها يكون بتفكيرها وحديثها النفسي . قال الحسن « ما يرى المؤمن إلّا يلوم نفسه على ما فات ويندم ، يلوم نفسه على الشر لم فعله وعلى الخير لم لا يستكثر منه » فهذه نفوس خيّرة حقيقة أن تشرف بالقسم بها وما كان يوم القيامة إلّا لكرامتها . والمراد اللوامة في الدنيا لوما تنشأ عنه التوبة والتقوى وليس المراد لوم الآخرة إذ يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [ الفجر : 24 ] . ومناسبة القسم بها مع يوم القيامة أنها النفوس ذات الفوز في ذلك اليوم . وعن بعض المفسرين أن لا أُقْسِمُ مراد منه عدم القسم ففسر النفس اللوامة بالتي تلوم على فعل الخير . وقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ إلخ دليل على جواب القسم إذ تقدير الجواب لنجمعن عظامكم ونبعثكم للحساب . وتعريف الْإِنْسانُ تعريف الجنس ، ووقوعه في سياق الإنكار الذي هو في معنى النفي يقتضي العموم ، وهو عموم عرفي منظور فيه إلى غالب الناس يومئذ إذ كان المؤمنون قليلا . فالمعنى : أيحسب الإنسان الكافر . وجملة أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ مركبة من حرف أن المفتوحة الهمزة المخففة النون التي هي أخت ( إنّ ) المكسورة . واسم أن ضمير شأن محذوف .